في دحض التّهم الموجّهة للدّين البهائي

“استبصروا في أمرنا وتبيّنوا فيما ورد علينا ثم أحكموا
بيننا وبين أعدائنا بالعدل وكونوا من العادلين”
(حضرة بهاء الله)
منذ نشأة الدّين البهائيّ في النّصف الأخير من القرن الثالث عشر الهجريّ والتّاسع عشر الميلاديّ إلى يومنا هذا تناول عدد من الكتّاب هذا الدّين فعالج البعض منهم تاريخه بينما اهتمّ البعض الآخر بالتعليق على مبادئه وشرائعه، وانقسم كل هؤلاء إلى فئتين من الكّتاب، فمنهم من كان موضوعياً في بحثه قدّم لنا هذا الدّين كما جاء به صاحبه فوضع أمامنا الدّعوة لنحكم عليها بمنطق البحث والدرس العلمي المجرّد عن العاطفة والتعصب، وعلى عكس هذه الفئة قامت فئة أخرى تقدّم هذا الدّين إلى الناس سالكة منهجاً ابتعد كلّ البعد عن الموضوعيّة أو الدقّة العلميّة أو الإنصاف الحق، فهاجمت صاحبه وكالت له الاتّهام تلو الاتّهام ووصفته باللفظ البذيء والكلام الجارح، رافضة كلّ ما جاء به بدون أي تمييز.

ولكن هذه سُنّة الله في خلقه، فتاريخ الأديان السّماويّة حافل بالقصص العديدة عن ألوان الإنكار والإعراض والعذاب التي تعرّض لها كلّ صاحب رسالة، وكل من حمل كلمة الله إلى بني البشر فنقرأ في القرآن الكريم ما ألمّ بموسى عليه السلام، وكيف قام عليه حتى أقرب النّاس إليه(1) ولا يمكن لأي منّا أن يتجاهل آلام السيد المسيح والعذاب الذي تعرّض له. ومعروف لدى كل مطّلع على سيرة الرّسول الكريم (ص) وما أتّهمته به قريش وكيف قامت عشيرته بأسرها تضّطهده وتحاربه حتى أنه قال (ص) في الحديث الشريف: “ما أوذي نبيّ بمثل ما أوذيت.”(2)

فلا عجب اذاً أن يتعرّض صاحب الرّسالة الجديدة لمثل ما تعرّض له كلّ من سبقه من الرّسل. والمؤرّخ المنصف والعالِم المحقّق لا يمكن أن يتجاهل أنّ المُبشّر بالدّين البهائي صُلب وشاركه هذا المصير أكثر من عشرين ألفاً من أتباعه، كما سُجن مؤسّس هذا الدّين طيلة حياته ونُفي وعُذِّب ضُرِب وتعذّب معه أهل بيته من نساء وأطفال، وقامت عليه قوى طاغية عنيفة كان بإمكانها محو كلمته من الوجود لولا أن كلمة الحق “إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد” ( سورة غافر- 51).
أما الكتّاب والمؤرخون الذين ينتمون إلى الفئة الأولى – فئة الكتّاب الموضوعيين الذين حاولوا إنصاف هذا الدّين وصاحبه دون الترويج له أو اعتناق مبادئه – فهم أمثال المستشرق الدانمركي المشهور آرثر كريستنس(3) والمستشرق المجري غولد زيهر(4) والمستشرق الإنكليزي إدوارد براون(5) والكاتب الروسي المشهور ليو تولستوي(6) والمؤرّخ اللبناني المعروف بأمير البيان الأمير شكيب أرسلان(7) وغيرهم ممّا لا مجال لنا لإيراد أسمائهم في هذه الرسالة المقتضبة، ومع أنّ هؤلاء جميعاً لم تخل كتبهم من بعض الأخطاء والمغالطات سواء من الناحية التاريخيّة أو من ناحية عرض أو فهم المبادىء البهائية والعقائد الاساسيّة التي يقوم عليها هذا الدّين، إلاّ أنّهم كانوا حسني النيّة وهدفهم واضح المعالم وهو لفت نظر أولي الألباب إلى “دعوة” تستحق الاهتمام وجديرة بأن تحظى بتفهّم أكبر، وكان الباعث على ذلك ما أوجده هؤلاء من مفارقات عظيمة بين نُبل الدّعوة البهائيّة وبين ما يتعرض له أتباعها من اضطهاد وتنكيل على أيدي أولئك الذين يرفضون حتّى الإصغاء إلى ما يقوله البهائيون. وقد هال بعض هؤلاء الكتّاب والمؤرّخين حجم المأساة التي حاقت بآلاف الأبرياء الذين لم يكن لهم من ذنب إلاّ أنّهم “أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ” (سورة آل عمران -104). رغم هذا كلّه فإنهم ذاقوا عذاباً واضطهدوا اضطهاداً لم تتعرّض له أمّة من قبل.

ويقابل هذا الاتجاه ذلك الاتجاه المعاكس الذي أشرنا اليه والذي يدعو إلى الحضّ على كراهيّة هذا الدّين والمطالبة بالتّنكيل بأتباعه، ويذهب أصحاب هذا الاتجاه مذاهب شتى في اختلاق التّهم الباطلة، ويحرّضون البسطاء من الناس على ارتكاب الجرائم باسم الدفاع عن دينهم ضدّ ما يصوّرونه أنّه ضد الدّين الإسلاميّ الحنيف، وما أبعدهم عن الحقّ فيما يذهبون. ويبني كتّاب هذه الفئة الثانية فئة الذين يهاجمون هذا الدّين – حجتهم على مبدأ يبدو لنا أنّه خاطىء وهو أن الدّين البهائي جاء بما يخالف أحكام القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة ويتذرعون بمسائل عدّة كختم النبوة وغيرها قائلين أنّ الإسلام هو آخر الأديان السماويّة حوى علاج جميع الأمراض الرّوحانية والاجتماعية والاقتصاديّة التي تعاني منها البشرية من أيام سيدنا محمد (ص) إلى يومنا هذا. وبناءً عليه ذهبوا إلى القول بأنه من غير المعقول أن يبعث الله برسول بعد محمد (ص) وأن يبعث بكتاب بعد القرآن الكريم، ونسي هؤلاء أو تناسوا أنّ الأديان جميعها تأتي حاملة مبادىء أساسيّة روحانيّة هي الكلمة الإلهية لا تتبدّل ولا تتغيّر عبر الزمان او باختلاف المكان، وهذه تتكرر متتابعة عبر تاريخ الإنسان فالاعتراف بالله رباً للسّموات والأرض، صاحب السّطوة والجبروت، القادر القدير على كلّ شيء لا يختلف فيه دين عن آخر. أما النّظم التي تفرضها ظروف الزمان والمكان وهي غير الأساسيات والتي يمكن أن نصفها بأنها الفرعيات، فالبطبع تختلف حسب البيئة الجغرافيّة والاجتماعية السّائدة في كل عصر وحسب مفاهيم ظروفه المادية آنذاك. وهنا فقط تكمن نقطة الاختلاف بين دين ودين. ألم يقع اليهود في هذا الخطأ الفاحش فاضطهدوا السيد المسيح وأنكروه ونسوا أو تناسوا أن السيد المسيح لفت نظرهم إلى الأساسيات وبيّن لهم سخف التمسّك بالفرعيّات، فنقضَ السبت وكأنّه يمثّل لهم أن الروحانية هي أساس الدّين لا الطّقوس الجوفاء والماديّات التي يدخلها الإنسان فيلوّث بها تلك الروحانية، وبالمثل فات أهل الكتاب أنّ رسول الله (ص) أعاد كلمة الله الحقّة إلى مجراها الصحيح وذكّر أهل الكتاب وفاء بعهد الله أن السيد المسيح من قبله قد ذكّر الناس بالأساسيات، أي أنّ كلّ رسول يؤكّد ويعيد ما جاء به من سبقه رغم اختلاف الأسلوب وتباين الوسائل. وهذه نقطة جوهريّة إذا رفضناها ينهار الأساس الذي يجعل كل واجب أمّة آمنت برسول سابق أن تعترف وتؤمن بمن بعده وكلمّا كلّف الله نفسه دعوة الناس إلى الحقّ كلّما وجدهم عن صراطه منصرفين متناسين الأساسيات متمسّكين بالفرعيّات.

فالكتب التي هاجمت الدّين البهائي في بداية ظهوره كتب مختلفة متعددة أهمّها في عنف الهجوم والعداء هو كتاب “تاريخ البابية أو مفتاح باب الأبواب” للدكتور محمد مهدي خان وكتاب “الحراب في صدر البهاء والباب” للسيد محمد فاضل، والرسائل التي كتبها الشيخ عبد السلام مفتي الديار القوقازيّة رداً على كتاب “الإيقان” لحضرة بهاء الله، وقد اشترك كل هؤلاء في كيل التّهم مردّدين القول أنّ الدّين البهائي إن هو إلاّ بدعة فأعادوا الأذهان حملات التكذيب التي قام بها أعداء أي دين جديد، فكانت كتبهم شبيهة بما كتبه كهنة اليهود في إنكار رسالة السيد المسيح وما كتبه قساوسة أوروبا في تكذيب الرسول (ص) وكانوا بذلك مصداقاً للآية الكريمة:
“وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِم لَئِن جَاءَهُم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَّمَا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً * وَاسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّءِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلا”. ( سورة فاطر 42-43). وهكذا تحقّق قول الرسول الكريم (ص) “لتسلكنّ سُنن من قبلكم شبراً فشبراً وذراعاً فذراعاً “(8)

ولو اقتصر الأمر على هذا الجيل من الأولين الذين ناواؤا الدّين البهائي وهاجموه في بدء ظهوره وفي زمن لو تعصّب المرء فيه لكان له عذر، فلو اقتصر الأمر على هؤلاء لما كان من الضروريّ أن نجشّم أنفسنا عناء الردّ والشرح والتفصيل. غير أنّه في الآونة الأخيرة وفي غضون عام واحد قام نفر من الكتّاب لم يكتفوا بترديد التّهم الباطلة وأكاذيب الأولين الذين عاصروا الشخصيّات الرئيسيّة الثلاث لهذا الدّين – المبشّر به حضرة الباب (اسمه المبارك علي محمد 1819-1850) ومؤسّسه حضرة بهاء الله (اسمه المبارك الميرزا حسين علي 1817-1892) ومبيّن كتابه حضرة عبد البهاء عباس (1844-1921) بل جاء هذا النفر العديد بافتراء من نوع جديد فقام هؤلاء باختلاق تهم جديدة يستحيل عليهم إثباتها مهما أوتوا من حيلة، وكلّ ما قالوه بهتان باطل لا أساس له من الصحة، “أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ” ( سورة البقرة -87).
والجدير بالذكر في هذا المقام أنّ هذا النفر الجديد أخذ الاتهامات التي أوردها الأولون كما هي دون تحقيق فأعادوا تلك الاتهامات التي باتت باهتة لكثرة تكرارها والتي تتلخّص في القول بأنّ الدّين البهائي لا يحقق نبوآت القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة الخاصّة بظهور مهدي آخر الزمان وقيام عيسى عليهما السلام، وهي النبوآت التي كان العالم الإنساني ولا يزال ينتظر تحقيقها. وقد قام كلّ من مبشّر الأمر البهائي حضرة الباب، ومؤسّسه حضرة بهاء الله ومُبيّن آياته حضرة عبد البهاء بالرّدّ على كل هذه التّهم والاعتراضات بشكل مُفحم في آثارهم العديدة نذكر على سبيل المثال “كتاب الدلائل السبع” لحضرة الباب وكتاب “الإيقان” لحضرة بهاء الله وكتاب “المفاوضات” لحضرة عبد البهاء. ففي هذه الكتب الثلاثة دحضٌ بليغ لكلّ تهمة وتفنيد كامل لا يبقي ذرّة من شكّ لكل الاتهامات وإثبات لصحّة الرسالة البهائيّة واتّفاقها مع ما جاء في الإسلام، بل ما جاء في كل الأديان السماوية الأخرى. وبالإضافة إلى هذه البيانات من يراع الشخصيّات الرئيسيّة للدّين البهائي هناك مئات الرسائل والكتب بلغات عديدة وضعها بهائيّون درسوا كل ناحية من نواحي دينهم آخذين في اعتبارهم كل ما جاءت به الأديان الأخرى، فأتوا بما يبدو لنا أنّه الحجّة التامّة والبيّنة الصادقة على صحّة هذا الدّين، نذكر على سبيل المثال لا الحصر الكتب التالية وذلك لمن يهمّه الاطلاع عليها من المنصفين: “الفرائد” و “الحجج البهيّة” و “الدرر البهيّة” لأبي الفضائل.

ولعل انتشار الدّين البهائي منذ استشهاد حضرة الباب عام 1850 انتشاراً عظيماً في أنحاء العالم واستقطاب هذه “الدعوة” السمحة للآلاف من أبناء البشر مختلفي الجنس والّلغة والّلون والدّين أوحى إلى الذين يهاجمون دين الله اليوم باتّهامات جديدة ذات أبعاد لم تكن تدور بخلد المعترضين على هذا الدّين في نصف القرن الماضي. فأضاف أولئك الذين يروّجون العداء اليوم اتّهامات نلخص فيما يلي أخطرها شأناً وأعظمها زوراً وبهتاناً:

1 – أنّ البهائية ظهرت لتقويض كلمة الإسلام ومحوها من عالم الوجود.

2- أنّ البهائيّة تدعو إلى الإلحاد والإباحيّة.

3- أنّ للبهائيّة أغراضاً سياسيّة وهي من صنع الإستعمار والصهيونيّة.

4- أنّ الدّين البهائي يعتنقه السذّج من النّاس الذين يمكن إغراءهم بسهولة.

5- التّشكيك في المصادر التي تموّل البهائيّة.

6- التوبة المزعومة لحضرة الباب.(9)

والقصد من هذه الرسالة هو الرّد على هذه الاتّهامات – الباطلة وأن نسوق لمن يريد معرفة البابيّة والبهائيّة بعض الحقائق لا مجال إلى دحضها وإنكارها، والتي زيّفها البعض لخدمة أغراض نربأ بأنفسنا أن نخوض في بيانها والتّعليق عليها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s