يا أهل العالم أتحدوا

يا أهل العالم،
إذا سرتم في الأرض ومشيتم في مناكبها وجدتم أنّ كلّ  ما هو معمور سببه الألفة والمحبّة، وأنّ كلّ ما هو مطمور ناتج عن العداوة والبغضاء. ومع ذلك لم ينتبه الجنس البشريّ إلى ذلك ولم يفق من سبات الغفلة، وما زال البشر
يفكّرون في الخلاف والنّزاع والجدال وحشد الجيوش لتصول وتجول في ميادين النّزال والقتال.
وإذا نظرتم إلى الكون والفساد والوجود والعدم وجدتم أنّ كلّ كائن مركّب من أجزاء متنوّعة متعدّدة، وأنّ وجود الشّيء ناتج عن التّركيب بمعنى أنّ الإيجاد الإلهيّ إذا أحدث تركيبًا معيّنًا بين العناصر البسيطة تشكّل من هذا التّركيب كائن معيّن. وجميع الموجودات على هذا المنوال. فإذا حدث في هذا التّركيب خلاف أو تحلّلت أجزاؤه وتفرّقت انعدم هذا الكائن. ومعنى ذلك أنّ انعدام الشّيء ناتج عن تحليل عناصره وتفرّقها. وعلى هذا فكلّ تركيب وتآلف يتمّ بين العناصرهو سبب الحياة،
وكلّ اختلاف وتحلّل وتفرّق يدبّ بينها هو علّة الممات. وبالاختصار إنّ تجاذب الأشياء وتوافقها سبب لحصول النّتائج المفيدة والثّمار الطّيّبة، وإنّ تنافر الأشياء واختلافها سبب للاضمحلال والاضطراب.فمن التّآلف والتّجاذب تتحقّق جميع
الكائنات ذات الحياة مثل النّبات والحيوان والإنسان، ومن التّنافر والخلاف يحصل الانحلال ويدبّ الاضمحلال. ولهذا فإنّ كلّ ما ينتج عنه الائتلاف والتّجاذب والاتّحاد بين عامّة البشر هو علّة حياة العالم الإنسانيّ، وكلّ ما ينتج عنه
التّنافر والاختلاف والتّباعد هو علّة ممات النّوع البشريّ.
وكلّما مررتم بإحدى المزارع ولاحظتم الزّرع والنّبات والورد والرّيحان ينمو منسجمًا متآلفًا كان ذلك  دليلاً على أنّ هذه الحديقة نمت على يد بستانيّ كامل تعهّدها بالتّهذيب والإنبات، أمّا إذا شاهدتم الحديقة مشعّثة مضطربة بلا ترتيب ولا نظام استنتجتم أنّها حرمت من عناية البستانيّ الماهر فنمت فيها الأعشاب الضّارّة فأتلفتها.
من ذلك يتّضح أنّ الألفة والالتئام دليل على تربية المربّي الحقيقيّ، وأنّ الفرقة والتّشتت برهان على الحرمان من التّربية الإلهيّة والبعد عنها.ولعلّ معترضًا يقول: إنّ لأمم العالم  وشعوبه وملله آدابًا ورسومًا مختلفة، وأذواقًا متباينة، وطبائع وأخلاقًا متعدّدة، وإنّ العقول والأفكار والآراء متفاوتة فكيف تتجلّى الوحدة الحقيقيّة ويتمّ الاتّحاد التّام بين البشر؟ فنقول: إنّ الاختلاف نوعان: أحدهما: الاختلاف المسبّب للانعدام والهلاك، كالاختلاف بين الشّعوب المتنازعة والملل المتقاتلة تمحو إحداها الأخرى وتخرّب وطنها وتسلبها الأمن والرّاحة وتعمل فيها القتل وسفك الدّماء. فهذا النّوع من الاختلاف مذموم. أمّا النّوع الآخر من الاختلاف فهو التّنوّع. وهذا هو عين الكمال وموهبة ذي الجلال.
لاحظوا أزهار الحدائق: فمهما اختلف نوعها وتفاوتت  ألوانها وتباينت صورها وتعدّدت أشكالها إنّها لمّا كانت تُسقى من ماء واحد، وتنمو من هواء واحد، وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإنّ تنوّعها واختلافها يكون سببًا
في ازدياد رونقها وجمالها. وكذلك الحال إذا برز إلى حيّز الوجود أمر جامع – وهو نفوذ كلمة الله – أصبح اختلاف البشر في الآداب والرّسوم والعادات والأفكار والآراء والطّبائع سببًا لزينة العالم الإنسانيّ.أضف إلى هذا أنّ هذا التّنوّع
والاختلاف سبب لظهور الجمال والكمال، مثله في ذلك مثل التّفاوت الفطريّ والتّنوّع  الخلقيّ بين أعضاء الإنسان الواقعة تحت نفوذ الرّوح وسلطانها. فإذا كانت الرّوح مسيطرة على جميع الأعضاء والأجزاء، وكان حكمها نافذًا في العروق والشّرايين كان إختلاف الأعضاء وتنوّع الأجزاء مؤيّدا للائتلاف والمحبّة وكانت هذه الكثرة أعظم قوى
للوحدة.ولو كانت أزهار الحديقة ورياحينها وبراعمها وأثمارها وأوراقها وأغصانها وأشجارها من نوع واحد ولون واحد وتركيب واحد وترتيب واحد لما توفر لمثل تلك الحديقة  أيّ رونق ولا جمال بأيّ وجه من الوجوه. أمّا إذا تعدّدت ألوانها واختلفت أوراقها وتباينت أزهارها وتنوّعت أثمارها تسبّب كلّ لون في زينة سائر الألوان وإبراز جمالها وبرزت الحديقة في غاية الأناقة والرّونق والحلاوة والجمال. كذلك الحال في تفاوت الأفكار، وتنوّع الآراء والطّبائع والأخلاق في عالم الإنسان. فإنّها إذا استظلّت بظلّ قوّة واحدة، ونفذت فيها كلمة الوحدانيّة تجلّت وهي في نهاية العظمة والجمال والعلويّة والكمال.ولا شيء اليوم يستطيع أن يجمع عقول بني الإنسان وأفكارهم وقلوبهم وأرواحهم تحت ظلّ شجرة واحدة غير قوّة كلمة الله المحيطة بحقائق الأشياء.
فكلمة الله هي النّافذّة في كلّ الأشياء. وكلمة الله هي المحرّكة للنّفوس. وكلمة الله هي الضّابطة لروابط عالم الإنسان.
والحمد لله أن قد أشرقت اليوم نورانيّة كلمة الله على جميع الآفاق، وأن استظلّ بظلّ كلمة الوحدانيّة قبيل من كلّ الفرق
والطّوائف والملل والشّعوب والقبائل والأديان، وهم مجتمعون ومتّحدون ومتّفقون وفي غاية الائتلاف.
يا أهل العالم،
إنّ طلوع شمس الحقيقة نورانيّة خالصة للعالم، وظهور للرّحمانيّة في مجمع بني آدم. ولهذه الشّمس نتيجة طيّبة وثمرة مشكورة. وبها تتوفّر السّنوحات لكلّ فيض. وهذه الشّمس رحمة خالصة وموهبة بحتة. ونورانيّة العالم
وأهله هي الائتلاف والوئام والمحبّة والارتباط والتّراحم والاتّحاد وإزالة التّباعد وتحقيق الوحدة بين جميع من على الأرض بنهاية الحرّيّة وغاية الشّهامة. وقد تفضّل الجمال المبارك فقال: “كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غضن واحد”. فشبّهَ عالم الوجود بشجرة واحدة، وجميع النّاس بالأوراق والأزهار والأثمار. ولهذا وجب أن يكون
الجميع – من الغصن إلى الورق إلى البراعم إلى الثّمر- في غاية الطّراوة واللّطف. وحصول هذه الطّراوة وهذا اللّطف منوط بالألفة والارتباط. لهذا يجب أن يحافظ بعضكم على بعض بغاية القوّة، ويدعو بعضكم لبعض بالحياة الأبديّة.
ومن ثَمَّ وجب على أحبّاء الله أن يكونوا في عالم الوجود مثالاً لرحمة الرّبّ الودود، وموهبة مليك الغيب والشّهود، وينبغي لهم أن لا يلتفتوا إلى العصيان ولا الطّغيان، ولا ينظروا إلى الظّلم ولا العدوان،
وأن ينزّهوا أبصارهم ليروا الجنس البشريّ أوراقًا وبراعم وثمارًا لشجر الوجود، وأن يحصروا فكرهم دائمًا في تقديم الخير وإبداء المحبّة والرّعاية والمودّة والعون لغيرهم. لا يرون في أحد عدوًّا، ولا يفترضون في أحد سوءًا بل يعتقدون أنّ جميع من على الأرض أصدقاء، ويعتبرون الغرباء أحبّاء، ويعدّون المجهولين معروفين. ويجب عليهم ألاّ يقيّدهم قيد، بل عليهم أن يتخلّصوا من كلّ رباط.إنّ المقرّب اليوم لدى باب الله ذي الكبرياء لهو الشّخص الّذي يقدّم
للأعداء كأس الوفاء، ويبذل لهم العطاء، ويعين العاجز المظلوم، ويحوّل الخصم اللّدود إلى وليّ ودود.
تلك هي وصايا جمال المبارك، تلك هي نصائح الاسم الأعظم!

أيّها الأحبّاء الأعزّاء!
إنّ العالم في حرب وجدال. والنّوع الإنسانيّ في غاية الخصومة والوبال. أحاطت ظلمة الجفاء، واستترت نورانيّة الوفاء. إذ أنشبت جميع ملل العالم مخالبها الحادّة في رقاب بعضها البعض، وما زالت تتنازع وتتقاتل، بحيث
تزعزع بنيان البشريّة وتزلزل. فكم من نفوس باتت شريدة بلا مأوى ولا وطن. وآلاف مؤلّفة من الرّجال يسقطون- كلّ عام- على الغبراء صرعى في ميادين الحرب والقتال مضرّجين بدمائهم، حتّى لقد طويت خيمة السّعادة والحياة وما زال القادة يتزعّمون ويقودون ويفتخرون بسفك الدّماء ويتباهون بإثارة الفتن. يقول قائل منهم: لقد حكّمت
السّيف في رقاب هذه الأمة. ويقول ثانٍ: لقد سوّيت بالتّراب هذه المملكة. ويقول ثالث: لقد اقتطعت تلك الدّولة من أساسها. ذلك مدار فخرهم ومباهاتهم بين الجنس البشريّ. لقد أصبح الصّدق والصّداقة –في جميع الجهات- مذمومين، وأصبح الأمن وعبادة الحقّ مقدوحين. وإنّ منادي الصّلح والصّلاح والمحبّة والسّلام لهو دين الجمال
المبارك الّذي ضرب في قطب الوجود خيمته، ويدعو إلى نفسه الأقوام.فيا أحبّاء الله! اعرفوا قدر هذا الدّين المتين، واعملوا في الحياة بموجبه، وأظهروه للخلائق أجمعين. وأنشدوا بألحان الملكوت، وانشروا تعاليم الرّب الودود ووصاياه، حتّى تصبح الدّنيا غير الدّنيا، ويستنير العالم الظّلماني، وتسري في جسد الخلق الميت روح حياة جديدة وتلتمس كلّ نفس لأختها الحياة الأبديّة وتتحوّل إلى نفس رحمانيّة.إنّ  الحياة في هذا العالم الفاني تنتهي في مدّة قصيرة، وتفنى العزّة والثّروة، وتزول الرّاحة والسّرور التّرابيّان. فنادوا الخلق إلى الخالق، وادعوا النّاس إلى سلوك
الملأ الأعلى. كونوا للأيتام أبًا عطوفًا، وللمساكين ملجأً وملاذًا، وللفقراء كنز الغنى وللمرضى الدّواء والشّفاء. كونوا معين كلّ مظلوم، ومجير كلّ محروم. واحصروا فكركم في تقديم الخدمة لكلّ إنسان. ولا تلقوا بالاً إلى الإعراض ولا الإنكار ولا الاستكبار؛ ولا تأبهوا للظّلم ولا العدوان. بل على النّقيض! عاملوا النّاس وكونوا عطوفين عطفًا حقيقيًّا لا صوريًّا ولا ظاهريًّا. ويجب على كلّ فرد من أحبّاء الله أن يحصر فكره في أن يكون رحمة الرّحمن وموهبة المنّان، فما اتّصل بأحد إلاّ قدّم له الخير والمنفعة، وكان سببًا لتحسين الأخلاق وتعديل الأفكار حتّى يشعّ نور الهداية وتحيط بالعالم موهبة الرّحمن.المحبّة نور يضيء في كلّ منزل، والعداوة ظلمة تأوي إلى كلّ كهف!
فيا أحبّاء الله ابذلوا الهمّة عسى أن تزول هذه الظّلمة تمامًا فينكشف السّرّ المستور وتبدو حقائق الأشياء وتتجلّى للعيان..((( من كتاب خطب حضرة عبد البهاء )))

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s