تأملات في الصّيـــام بقلم : أمة البهاء روحية خانم

 

إنّ الشّهر التّاسع عشر الّذي يلي ضيافات أيّام الهاء هو شهر الصّيام.  وخلال الأيّام التّسع عشر يكون الصّيام بالامتناع عن الأكل والشّرب من الشّروق حتّى الغروب.  وحيث أنّ شهر الصّيام ينتهي بيوم الاعتدال الرّبيعي في آذار (مارس) فإنّ الصّيام يقع دائمًا في نفس الفصل وهو الرّبيع في نصف الكرة الشّمالي والخريف في نصف الكرة الجنوبي، فلا هو بواقع في حرارة الصّيف الشّديدة ولا في برودة الشّتاء القاسية ممّا يجعل الصّيام شاقًّا.  وبالإضافة إلى هذا ففي هذا الفصل تكون الفترة بين الشّروق والغروب متساوية تقريبًا في جميع أنحاء المعمورة أي من السّاعة السّادسة صباحاً حتّى السّاعة السّادسة مساءً.  وليس الصّيام مفروضًا على الأطفال والمرضى والمسافرين والشّيوخ والعجزة والحوامل والمرضعات .

تأملات في الصّيـــام 

تستحوذ مناجاة الصّيام الكبرى على الإنسان طيلة سنوات البلوغ من حياته حتى تصبح في النهاية نعمة القيام بفريضة الصّيام ونعمة تلاوة هذه المناجاة موهبةً سنويةً عظيمةً، وامتيازاً وشرفاً كبيراً في الحياة

فإذا بدأ الإنسان بتلاوة هذه المناجاة قبل طلوع الشّمس بخمس دقائق يكتشف وكأنها تتزامن عن قصد مع الشّروق: فيجد الإنسان نفسه واقفاً على باب مدينة لقاء اللهملتمساً فضله؛ ثم يأتي ظلّ رحمته وقباب كرمه” – ثم يحدث التّمييز بين النّور والظّلام، وتغرّد الطيور، ويتبع ذلك ضياء غرّته الغرّاء وإشراق أنوار وجهه” – تبدأ السّماء تضيء بالألوان؛ يسأل المُناجي ربّه بأن يريه شمس جماله” – تستمر الشمس في الطلوع! يطلّ بعدها الفجر بكامل أبّهته، رمزاً للربيع الإلهي، بخباء مجده على أعلى الجبال؛ وبينما يتأمل الإنسان الشمس تصعد في السماء يصل إلى الكلمات التي تقول جمالك المُشرق من أفق البقاء الذي إذا ما ظهر سجد له ملكوت الجمال

 يحدث كلّ هذا في النصف الأول من المناجاة

ولكن ما يلتمسه المُناجي هو: أن يتلقّى فضل الله، ويتقرّب إليه، وينجذب إليه، ويشرب من معين كلماته، ويقوم على خدمة أمره على شأنٍ لا يعيقه الذين أعرضوا عن وجهه، ويعترف بمظهره، ويريد ما أراده، ويجعله فانياً عما عنده وباقياً بما عند الله، ويوفّقه على ذكره وثنائه، ويبعده عن كل ما يكرهه رضاؤه، ويقربه إلى مقام الذي تجلّى فيه مطلع آياته، وأن يُعرّف هذا المُناجي ما كان مستوراً في كنائز عرفان الله وعلمه، وأن يجعله من الذين فازوا بما أنزله الله في كتابه، وأن يكتب له من قلمه الأعلى ما كتبه لأمنائه وأصفيائه، ويكتب له أجر الذين لم يتكلموا إلا بإذنه وألقوا ما عندهم في سبيله وحبه، وفي آخر الأمر يدعو الله بأن يكفّر جريرات الذين تمسّكوا بأحكامه وعملوا بما أمروا به في كتابه“. ومثلها مثل فكرة مهيمنة متكررة في مقطوعة موسيقية، تتكرّر نفس اللازمة مرة تلو المرة. “”تراني يا إلهي متمسكاً باسمك الأقدس الأنور الأعزّ الأعظم العليّ الأبهى ومتشبّثاً بذيل تشبّث به من في الآخرة والأولى.” عندما أردّدها أتخيّل نفسي دائماً مع والديَّ وأحبَّتي المتصاعدين، متشبثين معاً بهذا الذيل السّماويّ المجازي، وأشعر وكأنّني قريبة منهم بدرجة كبيرة. إنّها بحقّ مناجاة زاخرة بالاستعارات العرفانية البليغة، مناجاة تأخذك عبر تجربة لا نهاية لها

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s