فى معنى الألوهية

 

 

مظهر الألوهية المنعوت به ذلك الكائن العظيم، وكامل الأسماء والصفات الظاهرة في شخصيته الجليلة يجب أن لا يساء فهمها، ولا أن تُحرّف عن حقيقتها بأي حال من الأحوال

 

لأنه إذا كنا مخلصين لديننا فيجب علينا أن نعرف بأن الهيكل الإنساني الذي جُعل واسطةً لحمل الأمانة الثقيلة يظل دائماً في مقام هو غير مقام (روح الأرواح) (وجوهر الجواهر) بمعنى أن الله الذي لا يُدرك ولا يُرى والذي مهما أطلقنا ألسنتنا في ذكر ألوهية مظاهره على الأرض لا يمكن بأي حال أن تتجسّد ذاته المنزهة، وأن الغيب البحت المنيع الذي لا يُدرك، لا يمكن أن يُحدّ في حيز كائن فاني. ويقيناً أن الله الذي يكون على هذه الصورة من التجسد يجب على ضوء تعاليم بهاءالله أن لا يظل في الحال إلهاً، وإنه لمن السخف والوهم الواضح القول بتجسد الألوهية الذي يغاير ويتنافر مع مبدأ العقيدة البهائية. ولا يقل القول بهذا وهماً عن القول بمبدأ ألوهية الكون الغير مقبول. وهذان المبدآن التجسد وألوهية الكونقد أدحضتهما بيانات بهاءالله وبينت فسادهما وبطلانهما فالذي أعلن في مقاماتٍ متعددة وبيانات شتّى أن كلامه (صوت الحق ونداء الله نفسه) تفضل في كتاب الإيقان بقوله الأعز بديهيّ لكل قلب بصير منير أن الله الجوهر الذي لا يُعرف والكينونة المقدسة منزّه عن كل نعتٍ جسماني وعن الصعود والنزول والخروج والحلولفإنه كان محتجباً في أزلية جوهره، ويكون بمثل ما قد كان مخفياً في حقيقته عن الأنظاروإنه منزه عن الانفصال والاتصال والقرب والبعدوكان الله ولم يكن معه شئ ـ هذه شهادة عن هذه الحقيقة“. وفي مقام آخر عن الألوهية يتفضل بهاءالله بقوله عز بيانه من الأزل الذي لا يُعرف كان الله محتجباً في حقيقة ذاته العليا، وانه لا يزال مخفياً يكون إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يُعرففقد انصعق عشرات الآلاف من الأنبياء كل كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي، إنك لن تراني، بينما ربوات المرسلين كل كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المَنْع (إنّ كينونتي لن تعرفها) ويتفضل بهاءالله في إحدى مناجاته بقوله الأحلى (ما أعظم حيرتي وأنا لست شيئاً مذكوراً، كلما أحاول أن أسبر عمق علمك وتذهب جهودي عبثاً عند تصوّر بدائع صنعك وقدرتك!) وفي مناجاة أخرى صدرت بخطه الشريف يتفضل قائلاً (كلما أنظر إليك أنادي كل الكائنات وأقول إنني أنا الله، وكلما أنظر إلى نفسي أجدها أحقر من الطين) وفي مقامٍ آخر يتفضل في كتاب الإيقان ويقول (وبما أن باب معرفة قديم الزمان قد قفل في وجه كل الكائنات فإنه وهو منبع كل فضل غير محدودٍ قد قدّر لجواهر التقديس المنورة أن تظهر من عالم الروح في هيكل الإنسان المكرّم، ويظهر لكافة الناس أنهم سيكشفون للعالم عن أسرار الكينونة التي لا تتغير ويحدثونهم عن جوهر كينونتهفكل أنبيائه المصطفين المختارين بلا استثناء حَمَلَة أسمائه ومظهر صفاته. هؤلاء خيام القدس والمرايا الأولية التي تعكس نور بهائه الذي لا يتكدّر، وهم آيات الله غيب الغيوب.) لذلك فكوننا نعتبر حضرة بهاءالله رغم عظمة أمره، أنه من حيث الجوهر، واحد من بين مظاهر الله الذين لا يمكن أن تتساوى كينونتهم مع الكينونة الغيبية الذاتية الإلهية. هذا مبدأ من مبادئ ديننا وهذه عقيدتنا التي لا يجوز أن تشوبها شائبة من التحريف والإبهام، والتي يجب على كل واحد من أتباع هذا الدين أن لا يسمح بتاتاً بطمس معالمها وتشويه حقيقتها. والدين البهائي الذي جاء، في الواقع وكما أعلن، تحقيقاً للنبوّات وإتماماً لوعد كافة العصور لا يحاول بأي حالٍ توهين المبادئ الخالدة التي تدعم الديانات السابقة بل يعلن ويثبت تلك القوة الإلهية التي أمدّتها، ويعتبر هذا الإعلان من جانبه أعظم ركنٍ من أركانه. وهو يعتبرها جميعاً نوراً واحداً سطع في درجاتٍ مختلفة في تاريخ تطور مستمر لدين واحد أبدي إلهي لا يتجزأ، وإنه أي الدين البهائينفسه يكون مرحلة كاملة منه، وإنه لا يحاول أن يطمس حقيقة مصدرها المقدس المقرر، ولا الإقلال من جاذبيّة آثارها العظيمة القدر. ولا يمكن أن يقر أية محاولة يراد بها تشويه مقاصدها وحقائقها، أو توهين القواعد المدعمة فيها، ولا تحيد تعاليمه قيد شعرة عما كمن فيها من الحقائق، ولا يقلل عبء رسالة أو يحط ذرة أو خردلة واحدة من قدر النفوذ الذي أحدثته أو روح الولاء الذي نفخته. وهو في حالة كونه أبعد ما يكون عن مقصد هدم الأساس الروحي لنظم الديانات في العالم فإن غرضه الصريح الذي لا يتغير هو توسيع قواعدها وإحياء مبادئها، والتوفيق بين أغراضها، وبعث الحياة فيها وإظهار وحدتها، وإعادة طُهر وصفاء تعاليمها، وإظهار المساواة بين وظائفها والمساعدة في تحقيق أنبل غاياتها. فهذه الديانات التي شرّعت من لدى الحق هي كما وصفها أحد المتدبرين بقوله ـ قد قدر لها أن لا تموت بل تبعث، أليس الطفل يفنى في الشاب، والشاب يفنى في الرجل، بينما لا الطفل ينعدم ولا الشاب !. لذلك يتفضل بهاءالله في كتاب الإيقان بقوله الأحلى وهم نجوم الحق والمرايا العاكسة لنور الوحدة الإلهية. في أي عصر ودور هبطوا من مكمن غيب عزهم القديم إلى هذا العالم ليعلّموا النفوس ويغمروا بالفضل كل المخلوقات، هم على حدٍ سواء حائزون على القدرة المحيطة والسلطنة الغالبةهؤلاء المرايا المقدسة ومطالع العز القديم هم جميعاً رمز قطب الوجود على الأرض وجوهره وغايته، منه يستفيضون علمهم وقدرتهم وعنه يستمدون سلطانهم فمجال محياهم إن هو إلا انعكاس صورته، وأمرهم آية عزه المبينعنهم يظهر فضل لا يتناهى وبهم يتجلى نور لا يطفأالألسن البشرية لا يمكن أن تفيهم حق الثناء والكلمات الفانية لا يمكن أن تكشف عن سرّهمثم يتفضل ويقول وبما أن طيور العرش السماوي كلهم نزلوا من سماء إرادة الله وأنهم جميعاً يقومون بإعلان دينه الغالب فإنهم يعتبرون نفساً واحدة وشخصاً واحداًكلهم يسكنون خيمة واحدة، ويطيرون في سماء واحد، ويجلسون على عرشٍ واحد، وينطقون بكلام واحد، ويعلنون ديناً واحداًوإنهم يختلفون فقط في مدى أمرهم ويتفاوتون في شدة نورهم، فإذا ثمة نعت من النعوت لم يظهر عن جواهر التجريد هؤلاء فإنه لا يعني بحالٍ من الأحوال أنهم وهم مطالع صفات الله وخزائن أسمائه الحسنى غير حائزين عليه“. كذلك يجب علينا أن نذكر أن هذا الأمر، رغم عظمة قدرته، ومهما يكن من مدى الدور الذي أظهره صاحبه، فإنه يستنكر بشدة أي ادعاءٍ يراد به اعتباره آخر وحيٍ من إرادة الله لبني الإنسان، وإننا إذا تصورنا هذه الصورة عن ماهيته ووظيفته فإن هذا التصور يكون خيانةً عظيمة لأمره وإنكاراً لحقيقته، ويتعارض بالضرورة مع الركن الأساسي للدين البهائي ومبدئه الثابت من أن الحقيقة الدينية ليست منفصلة بل متصلة، وأن الوحي الإلهي متعاقب مستمر وليس منقطع أو متوقف. والحق أن المعارضة الصريحة التي يقوم بها أتباع دين بهاءالله في وجه القول بختمية أي دين من الأديان السابقة هي بمثل الصراحة والوضوح الذي يؤكدون به رفض دعوى انقطاع الوحي من بعد دينهم الذي يقومون شهوداً عليه، فالاعتقاد بأن الوحي قد أختتم، وأبواب الرحمة الإلهية أغلقت، وأنه لن تشرق شمس من مكمن القدس الأبدي مرة أخرى، وأن بحر الفيض الأبدي قد سُجر، وإن رسل الله قد توقفت عن الظهور من سرادق العز القديم مثل هذا الاعتقاد يجب أن يعتبر عند كل تابع لهذا الدين انحرافاً عن مبدأ يعد من أهم وأقدس مبادئه الأساسية، وإن التسامح فيه غير جائز، ويكفي الإشارة إلى ما جرى به قلم بهاءالله وعبدالبهاء لقطع دابر كل شكٍ في هذا المبدأ الأساسي. أليس فيما نقتطفه من الكلمات المكنونةدليل الإشارة إلى استمرار الوحي الإلهي، وإعلاناً من صاحبها أن الرسالة التي يحملها ليست الأخيرة في ذاتها ولا هي آخر فيض للهداية من الله العزيز قوله تعالى : “يا ابن الإنصاف! بالليل رجع جمال هيكل البقاء من عقبة زمرّد الوفاء إلى السدرة المنتهى، وبكى حتى ناح لبكائه ملأ العليّين والكرّوبين، ثم استفسروا عن سبب النوحة والندبة فأجاب إنني كنت حسب الأمر منتظراً في عقبة الوفاء وما وجدتُ من أهل الأرض رائحة الوفاء، بعد ذلك قصدت الرجوع ولاحظنا عدةً من حمامات القدس مبتلية في قبضة كلاب الأرض، وفي هذا الحين هرعت الحورية الإلهية من قصرها الروحاني من غير ستر وحجاب وسألت عن أسمائهم فذكرت كلّها إلاّ اسماً من الأسماء، فلما ألحّت جرى حرف أول اسم من لساني فسرع أهل الغرفات من مكامن عزّهم، ولمّا ذكر الحرف الثاني سجد الجميع على التراب، عند ذلك ارتفع النداء من مكمن القرب أن لا يجوز الزيادة على هذا إنّا كنّا شهداء على ما فعلوا وحينئذٍ كانوا يفعلون“. وفي سورة الصبرالتي نزلت في سنة 1863 في نفس اليوم الذي تشرّفت حديقة الرضوان بقدوم بهاءالله يتفضّل بقوله الأعزّ قد أرسل الله رسله من بعد موسى وعيسى، وسوف يبعثهم إلى الآخر الذي لا آخر له حتى بذلك يستمر فيضه من سماء الفضل الإلهي على بني الإنسانوفي مقام آخر يتفضّل ويقول ليس خوفي من أجل نفسي بل على الذي يأتي إليكم من بعدي الذي يظهر بسلطان عظيم وقدرة غالبةوفي سورة الهيكل يتفضّل بقوله الأحلى: “لم أكن بما نزّلت من الكلمات أعني نفسي بل الذي يأتي من بعدي، يشهد بذلك العليم الخبير. فلا ترتكبوا معه ما ارتكبتموه معي.” وفي مقام آخر أكثر وضوحاً يتفضّل الباب في البيان الفارسي بقوله الأحلى: “ومن الواضح المشهود أن غاية كل الأدوار السابقة كان تهيئة الطريق لظهور محمد رسول الله، وهذه الأدوار بما فيها الدور المحمدي كانت بدورها تمهد الطريق لظهور أمر القائم، وكان مقصد هذا الأمر وكل ما سبقه الإعلان على مجئ دين (من سيُظهره الله) وهذا الدين بدوره أيْ دين (من سيُظهره الله) يحمل مع كافة الأديان التي سبقتْه غاية هي ظهور من يأتي من بعده. وهذا الأخير، شأن كل ما سبقه من الأديان، يمهّد الطريق بدوره للأمر الذي يأتي من بعده. وهكذا يستمر شروق الشمس وغروبها إلى ما لا نهاية، لم يكن لهما بداية ولن يكون لهما نهاية“. وفي هذا المقام يتفضّل بهاءالله بقوله الأقدس: اعلم علم اليقين أنه في كل دور كان نور الوحي الإلهي على قدر الاستعداد الروحاني للبشر. انظر إلى الشمس كيف أن ضوءها يظهر خافتاً عند طلوعها على الأفق، ثم تزداد حرارتها وشدّتها كلما اقتربت من نقطة الزوال، وبذلك تُمكّن كل الكائنات من تتبّع نورها المتزايد، ثم تتضاءل بالتدريج إلى أن تغرب في مقرّها. فلو كانت كل قواها تظهر دفعة واحدة لا شك تنعدم كل الأشياءهكذا أيضاً شمس الحقيقة، إذا كانت في مرحلة ظهورها الأولى تشرق دفعة واحدة بكل القوى التي وهبتْها العناية الإلهية إذاً لانعدمت واحترقت أراضي القلوب البشرية، لأن قلوب البشر لا تقوى على احتمالها ولا تستطيع أن تعكس أنوارها، وإذ يأخذها الرعب والصعقة فإنها تموت“. في ضوء هذه البيانات الجامعة المبينة يكون من واجبنا الصريح أن نكشف بجلاء تام لكل باحثٍ عن الحق أن رسل الله الغيب الذي لا يُعرف، بمن فيهم بهاءالله نفسه، قد كُلّفوا من الأول الذي لا أول لهباعتبارهم مهابط فضل الله ومظاهر وحدانيته ومرايا نوره والمُدلّين عن غايته، أن يكشفوا للعالم جزءاً من الحقيقة المستمرة ويرسلوا عليهم قبساً من إرادته الخفية وهدايته الإلهية، وإنهم يستمرّون إلى الآخر الذي لا آخر لهقائمين باستفاضة أمر الله من مكمن قدرته وعزّه الذي لا يتناهى، وإظهار هذا الأمر في صورةٍ أتمّ وأكمل. ويجدر بنا أن نتدبّر بقلوبنا المقتطفات الآتية من إحدى مناجاة بهاءالله التي تعطينا دليلاً آخر عن هذه الحقيقة العظيمة الجوهرية الكامنة في صُلب رسالة لبني الإنسان، قوله الأعزّ: أي ربّ لك الحمدُ على بدايع قضاياك وجوامع رزاياك مرّةً أودعتني بيد النمرود ثم بيد الفرعون وورد عليّ ما أنت أحصيته بعلمك وأحطته بإرادتك ومرّةً أودعتني في سجن المشركين بما قصصت على أهل العماء حرفاً من الرؤيا الذي ألهمتني بعلمك وعرّفتني بسلطانك ومرّةً قطعتَ رأسي بأيدي الكافرين ومرّةً أرفعتني إلى الصليب بما ظهرت في الملك من جواهر أسرار عزّ فردانيتك وبدايع آثار سلطان صمدانيتك ومرّةً ابتليتني في أرض الطّف بحيث كنت وحيداً بين عبادك وفريداً في مملكتك إلى أن قطعوا رأسي ثم أرفعوه على السّنان وداروه في كل الديار وحضروه على مقاعد المشركين ومواضع المنكرين ومرّةً علّقوني في الهواء ثم ضربوني بما عندهم من رصاص الغلّ والبغضاء إلى أن قطعوا أركاني وفصلوا جوارحي إلى أن بلغ الزّمان إلى هذه الأيام التي اجتمعوا المغلّون على نفسي ويتدبّرون في كل حينٍ بأن يدخلوا في قلوب العباد ضغني وبغضي ويمكرون في ذلك بكلّ ما هم عليه لمقتدرونفوعزتك يا محبوبي أشكرك حينئذ في تلك الحالة وعلى كلّ ما ورد عليّ في سبيل رضائك وأكون راضياً منك ومن بدايع بلاياك…”من كتيب دورة بهاءالله، الصفحات 24-33. النص الأصلي أعلاه بديل للترجمة الواردة في الكتيب المذكور)

 

Advertisements

3 أفكار على ”فى معنى الألوهية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s