لماذا أنكر اليهود السيد المسيح

أنّ النّاس كانوا في جميع العهود ينتظرون موعودًا. فاليهود مثلاً في زمان المسيح كانوا ينتظرون ظهور المسيح وكانوا في معابدهم يتضرّعون ليل نهار قائلين: “يا إلهنا قرِّب ظهور المسيح حتّى نستفيض من أنواره وننال كلّ ما فيه سعادتنا الأبديّة”.وكم من ليالٍ بكوا في قدس الأقداس وناحوا وندبوا حتّى الصباح قائلين: “يا إلهنا أرسل لنا المسيح!” ولكنّهم حين ظهر المسيح أعرضوا كلّهم عنه وأنكروه جميعًا. بل كفّروه وأخيرًا صلبوه. فماذا كان السّبب في ذلك؟لقد كانت الأسباب كثيرة ولكنّ أهمّ الأسباب سببان وهذان السّببان الأوّل: هو أنّ الشّخص الموعود قد اشترط ظهوره في الكتاب المقدّس بشروط هي كلمات مرموزة ولم يكن المقصود منها مجرّد مفهومها اللّفظي.. وعندما أخذ النّاس بمفهومها اللّفظي أعرضوا واستكبروا وقالوا إنّ هذا الموعود ليس ذلك الموعود وتمسّكوا بشروط ظهور المسيح المدوّنة في كتاب التّوراة المقدّس وهي

الشّرط الأوّل: أنّه قد نص في الكتاب المقدّس على أنّ المسيح يأتي من مكان غير معلوم وهذا الشّخص جاء من النّاصرة ونحن نعرفه  الشّرط الثّاني: أنّ عصاه من حديد أي أنّه يرعى بالسّيف وهذا المسيح ليست لديه عصا من خشب ناهيك عن السّيف الشّرط الثّالث: أنّه وفقًا للكتاب المقدّس يجب أن يجلس الموعود على سرير داود ويؤسّس سلطنة وهذا المسيح لا سلطنة له ولا جيش ولا مملكة بل هو فريد وحيد لهذا فإنّ هذا المسيح ليس بذلك المسيح الموعود الشّرط الرّابع: أنّ المسيح يروّج شريعة التّوراة وهذا المسيح كسر السّبت ونسخ شريعة التّوراة فكيف يكون هذا المسيح ذاك المسيح الموعود؟ الشّرط الخامس: أنّه يجب أن يفتح الشّرق والغرب وهذا المسيح لا ملجأ له ولا مأوى فكيف يكون هذا هو المسيح الموعود؟ الشّرط السّادس: في زمان المسيح الموعود حتّى الحيوانات يجب أن تعيش في منتهى الرّاحة ويشرب الذّئب والحمل من عين واحدة ويرعى الأسد والظّبي في مرعى واحد لكنّ الظّلم في زمان هذا المسيح استفحل ووصل الظّلم والعدوان إلى ما لا نهاية له حتّى إنّهم صلبوا المسيح نفسه بفتوى علماء اليهود فكيف يكون هذا المسيح هو المسيح الموعود؟ وهكذا أصبحت هذه الشّروط سبب احتجاب ملّة اليهود عن الإيمان بالمسيح في حين أنّ جميع هذه الشّروط قد ظهرت لكنّها كانت كلمات رمزيّة لم يفهمها علماء اليهود وظنّوا أنّها شروط لفظيّة في ظاهرها ومفهومها في حين أنّها كانت جميعها رموزًا فأوّلاً: أمّا أنّه يأتي من مقام غير معلوم فإنّ روح المسيح جاءت من مقام غير معلوم لا جسمه. ومع أنّ جسمه كان من النّاصرة إلاّ أنّ روحه لم تأتِ من النّاصرة ولا من حيفا ولا من الشّرق ولا من الغرب بل جاءت روح المسيح من عالم إلهيّ ومن مقام غير معلوم وثانيًا: أمّا أنّ عصاه من حديد فالعصا أداة الرّعي وكانت أداة رعي حضرة المسيح لسانه المبارك وقد كان لسانه المبارك سيفًا قاطعًا يفصل بين الحقّ والباطل ثالثًا: أمّا أنّه يجلس على عرش داود ويكون سلطانًا فالحقيقة هي أنّ سلطة حضرة المسيح كانت سلطة أبديّة وليست كسلطة نابليون . فلقد كانت سلطة المسيح سلطة روحانيّة وكانت سلطة أبديّة وكانت سلطة وجدانيّة

وكان سلطانه على القلوب وليس على التّراب وسلطته باقية إلى الأبد ولا نهاية لها.وقد روج الأساس الّذي وضعه حضرة موسى فقد روّج المسيح الوصايا العشر وروّج حقيقة شريعة موسى أمّا بعض الأمور الّتي كانت تتّفق مع عصر موسى ولا تتّفق مع عصر المسيح وكانت زائدة أو كانت تقاليد تلمودية فإنّه نسخها ولكنّه نفّذ الأساس الأصلي وروّجه خامسًا: أمّا أنّه يفتح الشّرق والغرب فحيث إنّ حضرة المسيح كان كلمة الله فقد فتح الشّرق والغرب بالقوّة الإلهيّة وفتوحاته باقية حتّى الآن ثابتة لا نهاية لها وسادسًا: أمّا أنّه في أيّام ظهوره يشرب الذّئب والحمل من معينٍ واحد فالمقصود بذلك هو أنّ النّفوس الّتي تشبه الذّئب والحمل تؤمن بحضرة المسيح وتشرب جميعها من عين الإنجيل. ومثال ذلك رجل شرقيّ وآخر غربيّ ليست بينهما علاقة ولا مؤانسة بل هما مختلفان من جميع الوجوه وكانا بمثابة الذّئب والحمل وما كان اجتماعهما ممكنًا فلمّا آمنا بحضرة المسيح اجتمعا على عين واحدة إنّ هذه الكلمات كلمات رمزيّة لكن بما أنّ علماء اليهود لم يفهمومها ولم يتوصّلوا إلى حقيقة معانيها ونظروا إلى ظاهرها فلم يروها منطبقة لهذا أنكروا واعترضوا

والسّبب الثّانى لاحتجاب النّاس هو أنّ للمظاهر المقدّسة الإلهيّة مقامين أحدهما المقام البشريّ والآخر المقام الرّحمانيّ النّورانيّ المستور وهو مقام الظّهور والتّجلّي الرّبّاني, فالمقام البشريّ ظاهر لكنّ الخلق عاجزون عن رؤية الحقيقة المقدّسة الظّاهرة في الهيكل ولا يرون قوّة الرّوح القدس بل ينظرون إلى النّاحية البشريّة فيه.وعندما يرون مقام البشريّة مشتركًا مع سائر البشر يأكلون مثل سائر البشر وينامون ويمرضون ويضعفون لهذا يقيسونهم بمقياس أنفسهم ويقولون إنّ هؤلاء مثلنا ولا امتياز لهم عنّا فلماذا يكونون مظاهر مقدّسة ولا نكون نحن كذلك؟ ولماذا هم ممتازون عنّا؟ ومثلهم كمثل إبليس لمّا نظر إلى جسم آدم قال إنّني أشرف من آدم ولكنّه لم ينظر إلى روح آدم ولم يشاهد روح آدم. ولمّا كان جسم آدم من التّراب فإنّه شاهد ذلك ولم يرَ روحه فاستكبر. ولولا ذلك لسجد لهوكذلك الأمر يوم ظهور المظاهر الإلهيّة. فبما أنّ النّاس ينظرون إلى الجانب البشريّ فيهم ويرونهم مثل أنفسهم لهذا فإنّهم يستكبرون عليهم ويعترضون عليهم ويعتدون عليهم ويظلمونهم ويخالفونهم ويحاولون قتلهم

لا تنظروا إلى الجانب البشريّ في المظاهر المقدّسة الإلهيّة بل يجب أن تنظروا إلى حقيقتهم فتلك الحقيقة السّاطعة الّتي تنير الآفاق وإنّ تلك الحقيقة السّاطعة الّتي تنير العالم البشريّ وإنّ تلك الحقيقة السّاطعة الّتي تخلّص النّفوس من النّقائص وإنّ تلك الحقيقة السّاطعة الّتي توصل الجامعة البشريّة إلى أعلى درجات الكمال هي فوق التصوّر البشريّ 
***عن خطب حضرة عبد البهاء***

 

 

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”لماذا أنكر اليهود السيد المسيح

  1. الاعراض والانكار سنه الخلق في كل زمن ومع كل رسول الا اصحاب القلوب الطاهره الذي ينعم الله عليها بمعرفه الحق والايمان وهم الذين تخطوا كل الحجبات الظاهريه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s